الشيخ محمد الصادقي الطهراني
325
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
العقود سلبية وإيجابية ، وهي المناسبة لتبنِّي دولة قوية إسلامية عالمية ، وقد نزلت المائدة بعد الفتح بأشهر وقبل ارتحال الرسول صلى الله عليه وآله كذلك بأشهر . فأوّلها وأولاها العقود الربانية التي عقدت على فطرة الإنسان وعقليته ، وما عقدها اللَّه علينا في شرعته ، وهي عقود الولاية الربانية ، تكوينية وتشريعية أو شرعية يحملها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فهي واجبة القبول والاتباع والإيفاء . وهكذا كلُّ عقد يعقده ولي طليق في حق الولاية على أيِّ مولّىً عليه ، ما يحق له شرعياً أن يعقده كما النبي صلى الله عليه وآله ف « النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم . . . » . ومن ثم العقود التي نعقدها لربنا على أنفسنا وهي غير معقودة علينا في فطرة أو عقلية أو الشرعة ، ولكنها مسموحة برجاحة عقلية أو شرعية ، كعقد النذر والحلف والعهد فيما يصلح بشروطها المسرودة في شرعة اللَّه . ثم العقود التي نعقدها فيما بيننا نحن المؤمنين ، ومن ثم التي نعقدها بيننا وبين الكافرين ، ثم التي يعقدونها علينا ونحن قابلون . والأخيران هما المعنيان بما يروى عن الرسول صلى الله عليه وآله : « أوفوا بعقد الجاهلية ولا تُحدثوا عقداً في الإسلام » « 1 » فحاشاه أن يعني بها العقود التي تتبناها الجاهلية الجهلاء المناحرة للإيمان ، معاكسة جاهرة لقضية الإيمان ! ، فإنما هي العقود المرضية في حقل الإيمان « 2 » مهما عقدت في الجاهلية . وشرعة اللَّه ككل هي من العقود المفروض علينا تصديقها وتطبيقها « 3 » : من عقد الولاية
--> ( 1 ) . الدر المنثور 3 : 253 - أخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله : أوفوا بالعقود - أي : بعقد الجاهليةذكر لنا أن نبي اللَّه صلى الله عليه وآله كان يقول : « أوفوا . . . » ( 2 ) . كما في المصدر عن عمرو بن شعيب عن جده قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : أدوا للحلفاء عقودهم التيعاقدت إيمانكم ، قالوا : وما عقدهم يا رسول اللَّه ؟ قال : « العقل عنهم والنصر لهم » أقول : شرطَ ألا يخالف حكم اللَّه ، كالعقد للمشرك في شركة والنصر له فيه . وفيه أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن مقاتل بن حيان قال : بلغنا في قوله : « يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود » يقول : أوفوا بالعهد الذي كان عهدإليهم في القرآن فيما أمرهم به من طاعته أن يعملوا بها ونهيه الذي نهاهم عنه وبالعهد الذي بينهم وبين المشركين وفيما يكون من العهود بين الناس ( 3 ) . المصدر أخرج البيهقي في الدلائل عن أبي بكر محمد بن عمر بن حزم قال : هذا كتاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلّمهم السنة ويأخذ صدقاتهم فكتب : بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا كتاب من اللَّه ورسوله « يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود » عهداً من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لعمرو بن حزم أمره بتقوى اللَّه في أمره كله فإن اللَّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وأمره أن يأخذ الحق كما أمره وأن يبشر بالخير الناس ويأمرهم به » الحديث بطوله